المنجي بوسنينة
852
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وعلى الرغم من عظم مكانة سفيان الثوري في العلم والورع والتقوى ، فقد كان يسعى إلى عباد الكوفة ليتعلم منهم . فها هو يسعى إلى شيبان الراعي الذي خرج معه للحج مشاة ، وهو القائل لسفيان معلما له ضرورة مراقبة نفسه : « إن من شؤم المعصية ، الإصرار على الذنوب ، فلا تعص ربك طرفة عين » [ الحريفيش ، الروض الفائق في المواعظ والرقائق ، 11 ] . ثم طلب من سفيان أن يكون في مقام المراقبة ، يراقب نفسه فلا يعصي الله طرفة عين . وسعى سفيان أيضا في طلب عابد من عباد الكوفة يقال له « الكوثان » لمدّة عشرين عاما . وكان على صلات بالزاهد الكوفي « داود الطائي » ، وبالعابد الزيدي « الحسن بن صالح بن حي » . أما تلاميذ سفيان الثوري فيذكر ابن الجوزي الكثير منهم بأسمائهم وأحيانا بصفاتهم . وإذا بحثنا في حياة سفيان الثوري العلمية أمكننا تقسيمها إلى مرحلتين هما : مرحلة الحديث والفقه ، ومرحلة الزهد . أما مرحلة الحديث والفقه فتتفق المصادر المختلفة على أن السياحات الأولى لسفيان الثوري ورحلاته كانت لطلب الحديث وجمعه وروايته ، وحينما اكتملت أداة الحديث عنده بدأ يفتي الناس فكان أفقههم . ويمكننا التعرف على سفيان المحدث الفقيه من كتبه ورسائله ، ومن شهادات العلماء في علمه وورعه وزهده وما له من آراء وأفكار قيمة في الفقه . هذا فضلا عن الأحاديث الدالة على إمامته وإفتائه ، وحبه للحديث وكثرة حفظه له ، وإجماع الناس على محبته وتفضيله على غيره من رواة الحديث . وقد بلغ سفيان في الحديث والفقه منزلة رفيعة إلى حد أن دعي بأمير المؤمنين في الحديث . وما كان لسفيان الثوري أن يبلغ هذه المكانة الرفيعة في الحديث لولا ما عرف عنه من حب للعلم وحرص عليه . ومن دلائل ذلك قوله : « زيّنوا العلم بأنفسكم ولا تزّينوا بالعلم » ، وأيضا لغزارة علمه ومعرفته به . ومن أقوال سفيان الدالة على حبه للحديث ، وحرصه عليه ، ودعوته الناس إلى تعلمه : « ليس أنفع للناس من الحديث » ، وقوله كذلك : « لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم » . وقوله : « ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسؤول عنه » . لقد كان سفيان جيّد الحفظ ، كثير الرواية . وهو أحفظ وأكثر حديثا من مالك ، ولكن مالكا كان ينتقي الرجال ، وسفيان يروي عن كل أحد . وهو أكثر حديثا من شعبة وأحفظ ، يبلغ حديثه ثلاثين ألفا . وكان سفيان يتقدم شعبة ومالك في الحديث والحفظ . قال الوليد بن مسلم : رأيته - يقصد سفيان - بمكة يستفتي ولما يخط وجهه بعد . وقال أبو حاتم وأبو زرمة وابن معين : هو أحفظ من شعبة . وإذا كان سفيان الثوري قد حظي بهذه الشهرة الواسعة في رواية الحديث ووثق الناس به وثوقا تامّا ، فما ذلك إلا لأنه لم يكن يريد بالحديث إلا وجه الله والدار الآخرة ، فهو في رأيه أفضل الأعمال بشرط صحة النية فيه . ولعظم مكانة الحديث عند سفيان الثوري أمر